محمد أبو زهرة
650
زهرة التفاسير
بين الله سبحانه في الآية السابقة على هذه الآيات حال أولئك الذين يفرقون بين الجماعات ، ويعيثون في الأرض فسادا ، ويهلكون الحرث والنسل ، وفيهم لدد وعنف وخصومة تغرى بالعداوة ، وتنشر الفرقة والانقسام ؛ وكل هذا ضد مبادئ الإسلام ؛ ولذلك ناسب بعد أن بين عمل المفسدين ، أن يبين واجب المصلحين ؛ وهو السلم بين بنى الإنسان ، والوحدة بين أهل الإسلام ؛ ولذلك قال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قرئ السّلم بكسر السين ، كما قرئ في قراءة مشهورة بفتحها ؛ وكذلك قوله تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . . ( 61 ) [ الأنفال ] فقد قرئ بفتح السين ، كما قرئ في قراءة أخرى مشهورة بكسرها « 1 » ؛ ولذلك قال الكسائي وعلماء البصرة : إن السّلم والسّلم بمعنى واحد ، ويطلقان على المسالمة وعلى الإسلام ؛ وفرق عمرو بن العلاء فقرأها في هذه الآية بالكسر ، وقال : إنه الإسلام ، وفي قوله تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ . . . ( 61 ) [ الأنفال ] قرأها بالفتح ، وقال : المراد الموادعة والمسالمة ؛ وأنكر المبرد هذه التفرقة . وعندي أن لفظ السلم بالكسر أو الفتح هو للمسألة والصلح ، وإطلاقه على الإسلام من حيث إن أحكام الدين الحنيف تتجه كلها نحو تحقيق السلام بين الناس ، وتخليص القلوب من أدرانها ، وتوجيه الناس نحو السلامة ، والبعد بها عن مواقع الهلاك . وما معنى السلم في الآية : أهو الإسلام ، أم هو المسالمة والموادعة والصلح ؟ اتجه بعض المفسرين من السلف والخلف إلى أن معنى السّلم في الآية الإسلام ؛ ومعنى كافة : مجتمعين ، وتكون كافة حالا من الواو في « ادخلوا » أو تكون حالا من كلمة « السلم » ، والمعنى على الأول : يا أيها الذين آمنوا وصدق إيمانهم ادخلوا في الإسلام مجتمعين غير متفرقين ولا متنابذين ، أي انقادوا لأحكامه
--> ( 1 ) ( للسّلم ) هذه القراءة لأبى بكر والمفضل كلاهما عن عاصم ، وقرأها بالفتح لِلسَّلْمِ نافع وابن كثير وأبو جعفر والكسائي . غاية الاختصار - ج 2 / 427 .